ليث أكرم العزة
في لحظة يتهافت فيها العالم على الأزمات الجديدة ويُهمل القديمة حتى تتحول إلى واقع دائم، وقف الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة ليوجه ضربة استراتيجية لا تُنسى. لم يكن الخطاب مجرد إدانة أخرى، بل عملية سياسية دقيقة أعادت تعريف «الانتباه» نفسه كسلاح جيوسياسي. قالها الملك بصراحة: الانتباه أصبح مورداً نادراً، ومن يتحكم في توجيهه يتحكم في مصير الشعوب. ومن هنا بدأ الدهاء.
لسنوات طويلة اختار المجتمع الدولي «إدارة» الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بدل حله. كل انتهاك يُعامل كـ«مؤقت»، حتى أصبح الدائم سياسة. جاء خطاب الملك ليقطع هذه الحلقة المفرغة. لم يكتفِ بوصف ما يحدث في غزة، بل سماه: محاولة لمحو الحياة الفلسطينية وفرض واقع إقليمي جديد. وفي الضفة الغربية لم يقل إنها «تصعيد»، بل «تحول جذري» و«تهجير قسري» و«جريمة حرب». هذه ليست كلمات عاطفية، بل مصطلحات قانونية دقيقة تُلزم من يسمعها. من يرفض تسمية الأشياء بأسمائها يصبح شريكاً في تطبيع الجريمة.
الأذكى في الخطاب أنه ربط الجبهتين معاً. غزة والضفة ليستا قصتين منفصلتين، بل جبهتين لاستراتيجية واحدة هدفها جعل الدولة الفلسطينية مستحيلة. هذا التشخيص يهدم الرواية الإسرائيلية التي تحاول فصل الملفين لتدير كل واحد على حدة. وأضاف الملك طبقة أعمق: الشهية التوسعية لم تعد تقتصر على فلسطين. سوريا هي التحذير الذي يختار العالم تجاهله. الاقتحامات المتكررة، فرض الوقائع على الأرض، والتهديد حول الموارد المائية… كل ذلك اختبار لمدى صبر المجتمع الدولي. وهنا جاء الخط الأحمر الأردني واضحاً كالشمس: أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي هو تهديد للأمن القومي، ولن يشيح الأردن بنظره.
الدهاء هنا مزدوج. من جهة، وضع الملك الحكومة الإسرائيلية أمام مرآة الإفلات من العقاب: «لم تعد تسأل هل نستطيع الإفلات؟ لأنها تعرف الإجابة مسبقاً». ومن جهة أخرى، وضع المجتمع الدولي أمام خياره الحقيقي. الأدوات موجودة: عقوبات، تجميد أصول، عزلة دبلوماسية. استُخدمت في أماكن أخرى، لكنها مع إسرائيل تبقى حبراً على ورق. الصمت إذن ليس حياداً، بل اختيار.
لم ينسَ الملك أن يذكر مبادرة السلام العربية التي قدمت قبل أكثر من عقدين تطبيعاً مع 57 دولة مقابل السلام والدولة الفلسطينية. العائق لم يكن غياب الشريك العربي، بل غياب الإرادة الإسرائيلية. هذا التذكير يفضح أكذوبة «الرفض العربي التاريخي»، ويعيد الكرة إلى ملعب الطرف الذي يرفض الحل.
الأردن في هذا الخطاب ليس مجرد دولة تشكو. هو الدولة التي تفعل الأمرين معاً: تستجيب للطوارئ الإنسانية وتبني مستقبلاً اقتصادياً وتكنولوجياً، تواجه الإرهاب وتدافع عن صورة الإسلام الحقيقية، وتحمل أمانة الوصاية على المقدسات. لكنه يعلن بوضوح أن انحيازه للدبلوماسية لن يُفسر ضعفاً. هذا التوازن هو جوهر الدهاء الأردني: قوة هادئة، مبدأ ثابت، وخط أحمر لا يُساوَم عليه.
في زمن يتنافس فيه الجميع على انتزاع ثانية من انتباه العالم، جاء خطاب الملك ليقول إن المستقبل لا يُصنع فقط بما نفعله، بل بما نختار أن نتجاهله. من يتجاهل التهجير القسري، والضم الفعلي، والاختبار السوري، يشارك في صناعة واقع أخطر. ومن يرفض تسمية الأشياء بأسمائها يفقد حقه في الحديث عن القانون الدولي.
هذا ليس خطاباً للاستهلاك الإعلامي. هذا خطاب يعيد ترتيب الأولويات، ويضع العالم أمام مسؤوليته الحقيقية. إما أن ينتقل من إدارة الصراع إلى حله، وإما أن يعترف بأنه اختار الإفلات من العقاب كسياسة. والفرق بين الخيارين هو الفرق بين عالم يحترم قواعده وعالم يتفرج على انهيارها.
الملك عبدالله الثاني لم يطلب التعاطف. طلب الانتباه… والفعل. وهذا هو الدهاء الحقيقي.
كليك الاخباري نقره سريعة الى الحقيقة